محمد حسين علي الصغير

30

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

موقع البيان من البلاغة لا ريب إن مباحث المسند والمسند إليه ، والفصل والوصل ، والتقديم والتأخير ، والإخماد والإظهار ، والحذف والتقدير ، وأمثالها ، وإن كانت لا تخلو من لمحات بلاغية ، وسمات بيانية بالمعنى العام ، إلا أنها مباحث نحوية ، وإن المجاز والتشبيه والتمثيل والاستعارة والكناية والتعريض والرمز ، وإن كانت لا تخلو من دقائق نحوية ، إلا أنها مباحث بلاغية . فمن الخير للعربية ، ومن الصيانة للتراث ، أن نرجع بالفنون إلى أصولها ، فما غلّب من منحى على فن ما ، ألحق به ، ما تميز بخصائص تأصله باتجاه متميز ، اختص به ، وليس في ذلك شطط ، بل فيه دقة وموضوعية ، الدقة في التغليب ، والموضوعية في التبويب ، وإلا فالفنون العربية متداخلة الأبعاد في أجزاء من مباحثها ، فالنقد الأدبي ذو لمحة بلاغية . البلاغة ذات سمة نحوية والنحو ذو صلة لغوية ، واللغة ذات أقيسة منطقية ، والمنطق ذو مسحة فلسفية ، والفلسفة ذات سحنة أصولية ، والأصول ذو تفريعات كلامية ، وهكذا دو إليك بالنسبة لفنون العربية الأخرى . مباحث « علم المعاني » لا تخلو من جفاف يعتمد الحدود والرسوم والتعريفات ، وكأنها قطعة من النحو ، تمت إليه بوشائج التقسيم وأواصر التعقيد « 1 » . ومباحث « علم البيان » لا تخلو من روعة وبهاء يهدفان إلى إيضاح المعنى ، وإضاءة اللفظ ، وجلاء الصورة ، فهي وثيقة الصلة بالبلاغة القائمة على أساس الكشف والإيضاح ، وإيراد المعنى بالصور المختلفة ، فكل منهما - أعني المعاني والبيان - قريب الأسر بفن قائم بذاته ، بل هو جزء من ذلك الفن ، فلم لا يلتحق كل جزء بكلياته ، وكل فرع بأصوله ؟ هذا هو ما يقتضيه الذوق السليم ، والطبع الفطري لنتلافى بذلك هذه الردّة

--> ( 1 ) يميل أستاذنا الدكتور أحمد عبد الستار الجواري إلى إلحاق علم المعاني صراحة بالنحو فمفرداته عنده ، هي في الحق معاني النحو التي لا يستقيم النحو إلا بها ، ولا تستقر قواعده ، إلا عليها ، الجواري ، نحو القرآن : 43 و 101 .